كتب الصحفي يوسف فارس على حسابه الرسمي على موقع فيسبوك:
أمضى صديقي أكثر من ساعة ونصف مشدود الأعصاب وهو يروي لي تفاصيل رحلته المميتة إلى مركز توزيع المساعدات الأمريكي في منطقة العلم بمدينة رفح جنوب القطاع، استنفد طاقة جسمه المنهك كلها وهو يحكي عن قفص من الحديد، يخوض عشرات الآلاف من المجوعين فيه معركة ضارية للظفر بالقليل من المواد التموينية: «ألفين طرد غذائي متروكة في ساحة فيما يتصارع ٢٠ ألفاً للظفر بما تصل إليه أيديهم» ولك أن تتخيل الملحمة، تنتهي الكمية المتاحة في غضون دقائق، صاحب العضلات والأكثر شراسة يخطف ما تطاله يداه بدءا بالأثمن والأغلى مثل السكر والبسكويت، ويعود الأكثر وقاراً وضعفا ملوماً محسوراً، وفي طريق العودة تبدأ عمليات البلطجة بالسلاح الأبيض، اللصوص وأبناء الحرام يجردون الضعفاء مما حصلوا عليه، وقبلاً من ذلك، يبدأ مسلسل الإبادة وإطلاق الرصاص من دبابات الإحتلال والجنود الأمريكين من وراء السواتر الترابية تجاه الحشود، يقتل ويصاب العشرات يومياً ..
لا نظام، لا كشوفات، لا طريقة محترمة، فقط إدارة للفوضى ومشاهدة لحلبة المصارعة من علو، ثم يبدأ مسلسل القتل اليومي لأن حصة التوزيع الشكلية التي قطع الناس للوصول إليها طريقاً استغرق ٥ ساعات مشياً على الأقدام انتهت في غضون ١٠ دقائق دون أن يظفر أحد بشيء .. انتهى السرد، بح صوت صديقي لفرط انفعاله ولحسرة العودة خالي الوفاض، دمعت عيناه .. حاول ابتلاع الأسى، وهو معلم عزيز النفس، جميل المظهر، كان في سنوات ما قبل الإبادة أبهى الشباب رائحة عطر وأكثرهم أناقة،فاق الأسى طاقته وحضرت المقارنة بين ما كان وما هو عليه الآن .. ثم عانقته وبكينا :«لست مجالداً يا صديقي كي تخوض حلبة الموت الرومانية وتعود منتصراً على الموت» و «المُجَالد» هو تحفة ما أنتجته الحضارة الرومانية في مدينة كوبوا الإيطالية، حيث يساق العبيد وأسرى الحرب الذين لا يمتلكون ما يخسروه، إلى حلبة المصارعة الرومانية بعد أن يجري تدريبهم لشهور لخوض معركة صفرية مع وحش جائع شرس، فقط لكي يستمتع الأمراء وجمهور المتحضرين في التأمل بملامح العبيد اليائسة وانعدام المقاومة حينما يلتهمهم الوحش الجائع، من كوبوا إلى غزة، ذات العَرض الدامي، يستمتع حراس الحلبة بمشهد الملحمة، لكن لماذا لا يَرفض «المجالدون» خوض النزال مع الوحوش، ببساطة لأن من يرفض التدريب يدفع إلى الوحش ليلتهمه وهو في ذروة ضعفه، ليموت مكسوراً مذعناً بينما تعلو قهقهات الجمهور !