رسائل من غزة

أرشيف خاص

أنعي لكم يا أصدقاء جزمتي

الكاتب

سعيد محمد الكحلوت

المكان

غير معروف

تاريخ الحدث

2024-05-13

اسم الباحث

-

كتب د. محمد سعيد الكحلوت على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

أنعي لكم يا أصدقاء جزمتي.

كانت موكبي الذي حملني في طرقات النزوح الشاقة، اشتريتها مُستخدمَة منذ قدومي إلى رفح نازحاً حافياً.

وبهذه المناسبة أود أن اشكر الرجل الذي استخدمها قبلي وملّ منها، فآلت لي حلالاً طيباً مباركاً فيه حتى احتملتْ معي عذابات الطرق البعيدة، واصطفتْ راضية في الطوابير الطويلة وهربتْ بي كلما دوي بجانبي انفجار، وقفزتْ بي من على ظهور الشاحنات التي صارتْ وسائل مواصلات، وابتلتْ من المطر وحمتْ قدماي من مياه

الصرف الصحي المتفجرة على المفترقات في المدينة الأكثر ازدحاماً في مجرتنا الظالمة، واستمعت لكل القصص التي سردها مراجعي العيادة وأظنها تعاطفت معي فلم تبكِ، وشاركتْ في بناء خيمتي الجديدة ونقلتني والفراش والملابس وأدوات الطبخ من نزوح إلى نزوح، وضلت صامدة تقاوم فعل العدم حتى اللحظة الأخيرة.

وقد حاولتُ مراراً وتكرارا أن أخلع على الجزمة وسام شرفٍ يحفظ لها مكانتها في وقفتها البطولية معي كمواطن فلسطيني يحمل الحياة يخبئها ويهرب بها من موت إلى موت، لكنني لم أجد صفةً تكافئ البطولة والصمود والصبر الذي لمسته من العزيزة.

في الشهر الرابع للحرب لاحظت تعبها، داهمني الخوف عليها، فأخذتها إلى اسكافي مسن اتخذ من جدار بيت مقصوف محلاً له وأوصيته بها خيرا، فعالج الرجل الحكيم مرضها، ثم اشتريت لها علبة طلاء بنية، فلمعتْ وعادتْ قوية تسير بي وأسير بها موكباً وقبيلة، يومها وعدتها أن أكتب لها نصاً أُثني فيه على دورها الاسطوري في خدمتي رغم ألمها واصابتها باضطراب الاهتراء.

لم تبخل لم تحتج ورضتْ بتحول حالها من السير في طرقات تل أبيب الناعمة النظيفة والمُكيفة أحياناً مع سيد أنيق جاء غازياً يلبس ثوب المهاجر من بلاد الثلج البعيدة يركب السيارة أكثر ما يمشي، إلى جزمة متعبة تسير برجل نازح يسير بها في الدروب الجرباء يدوس بها على الركام والتراب والحجارة والمياه العادمة.

وقد أعطيتها عهداً بالوفاء أنني سأحتفظ بها ما دمتُ حياً وإنني سأحملها عائداً أو مهاجراً.

وإذا ما كان لكاتب مشهور أن يكون له متحف مقتنيات بعد موته فإن الجزمة الوفية ستتصدر متحفي وسأوصي بها خيراً بأن يطبع ملوناً نصي الأول في نعيها وتقديرها.

فأن تقف معك جزمة ويتركك العالم فتلك نعمة لا يقدرها إلا الفلسطيني الوحيد، فلا تتعجبوا يا إخوتي من المكانة التي تبوأتها جزمتي الغالية بالوفاء والإخلاص.

سأكون شاكراً لكل من سيشارك هذا التكريم والامتنان.

والسلام على الأوفياء انساً كانوا أو جماد.

د. سعيد محمد الكحلوت

أخصائي الصحة النفسية وكاتب

غزة /فلسطين

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2024-11-06

شارك